القرطبي

314

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( اقتلوا ) الحيات صغيرها وكبيرها وأسودها وأبيضها فإن من قتلها كانت له فداء من النار ومن قتلته كان شهيدا ) . قال علماؤنا : وإنما كانت له فداء من النار لمشاركتها إبليس وإعانته على ضرر آدم وولده ، فلذلك كان من قتل حية فكأنما قتل كافرا . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا ) . أخرجه مسلم وغيره . الرابعة - روى ابن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي عبيدة ( 1 ) بن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم : بمنى فمرت حية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اقتلوها ) فسبقتنا إلى حجر فدخلته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هاتوا بسعفة ونار فأضرموها عليه نارا ) . قال علماؤنا : وهذا الحديث يخص نهيه عليه السلام عن المثلة وعن أن يعذب أحد بعذاب الله تعالى ، قالوا : فلم ( 2 ) يبق لهذا العدو حرمة حيث فاته حتى أوصل إليه الهلاك من حيث قدر . فإن قيل : قد روي عن إبراهيم النخعي أنه كره أن تحرق العقرب بالنار ، وقال : هو مثلة . قيل له : يحتمل أن يكون لم يبلغه هذا الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعمل على الأثر الذي جاء : ( لا تعذبوا بعذاب الله ) فكان على هذا سبيل العمل عنده . فإن قيل : فقد روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار وقد أنزلت عليه : " والمرسلات عرفا " [ المرسلات : 1 ] فنحن نأخذها من فيه رطبة ، إذ خرجت علينا حية ، فقال : ( اقتلوها ) ، فابتدرناها لنقتلها فسبقتنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وقاها الله شركم كما وقاكم شرها ) . فلم يضرم نارا ولا احتال في قتلها . قيل له : يحتمل أن يكون لم يجد نارا فتركها ، أو لم يكن الجحر بهيئة ينتفع بالنار هناك مع ضرر الدخان وعدم وصوله إلى الحيوان . والله أعلم . وقوله : ( وقاها الله شركم ) أي قتلكم إياها ( كما وقاكم شرها ) أي لسعها .

--> ( 1 ) كذا في جميع نسخ الأصل . وفي غيرها من التفاسير : ( عن عبد الله بن مسعود ) . ويبدوا أن الأصل : ( عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله ) الخ . ( 2 ) الضمير للحديث ، أي لم يبق هذا الحديث الخ .